سيد محمد طنطاوي
227
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والفاء في قوله : * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) * للإفصاح . وعدى فعل الصبر باللام ، لتضمنه معنى الخضوع والاستسلام لقضائه - سبحانه - . أي : ما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - فاصبر لحكم ربك ، واخضع لقضائه ومشيئته ، فهو - سبحانه - الكفيل بنصرك عليهم . وقوله : * ( ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) * أي : ولا تطع - أيها الرسول الكريم - من هؤلاء المشركين ، من كان داعيا إلى الإثم والفجور ، أو من كان داعيا إلى الكفر والجحود . ولم يقل - سبحانه - ولا تطع منهم آثما وكفورا بالواو ، لأن الواو تجعل الكلام محتملا للنهي عن المجموع ، وأن طاعة أحدهما دون الآخر تكفى في الامتثال . ولذا قال الزجاج : إن « أو » هنا أوكد من الواو ، لأنك إذا قلت : لا تطع زيدا وعمرا ، فأطاع أحدهما كان غير عاص ، فإن أبدلتها بأو ، فقد دللت على أن كل واحد منهما ، أهل لأن يعصى ، ويعلم منه النهى عن إطاعتهما معا « 1 » . والآثم : هو الفاجر بأقواله وأفعاله . والكفور : هو الجاحد بقلبه ولسانه . ورحم اللَّه صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإنّ : تأكيد على تأكيد ، لمعنى اختصاص اللَّه - تعالى - بالتنزيل ، ليتقرر في نفس رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل للقرآن ، لم يكن تنزيله على أي وجه نزل ، إلا حكمة وصوابا ، كأنه قيل : ما نزل عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما ، إلا أنا لا غيرى ، وقد عرفتني حكيما فاعلا لكل ما أفعله . فإن قلت : كلهم كانوا كفرة ، فما معنى القسمة في قوله : * ( آثِماً أَوْ كَفُوراً ) * ؟ قلت : معناه لا تطع منهم راكبا لما هو إثم ، داعيا لك إليه ، أو فاعلا لما هو كفر ، داعيا لك إليه . لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر : فنهى عن أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث . فإن قلت : معنى أو : ولا تطع أحدهما ، فهلا جيء بالواو وليكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟ قلت : لو قيل : ولا تطعهما ، جاز أن يطيع أحدهما ، وإذا قيل : لا تطع أحدهما ، علم أن الناهي عن طاعة أحدهما : عن طاعتهما جميعا أنهى ، كما إذا نهى عن أن يقول لأبويه أف ، علم أنه منهى عن ضربهما بالطريق الأولى . . « 2 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 462 . ( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 674 .